
“دي مش أختك يا ولاء…”
“دي النسخة اللي كان المفروض تكونيها.”الصمت في الشقة بقى تقيل… تقيل لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي أكتر من صوت الجرس.
الجرس رن تاني.
مرة واحدة بس.
كأنها رسالة مش طلب دخول.
عثمان اتحرك ناحيتي بسرعة وقال: “ماتفتحيش… أياً كان اللي بره ده مش لازم يدخل.”
بس أمي وقفت فجأة.
وشها اتغير… كأنها افتكرت حاجة مدفونة من سنين.
وبصتلي وقالت بصوت مهزوز: “أنا أعرف الصوت ده…”
كلنا سكتنا.
الجرس رن للمرة التالتة.
بس المرة دي… الصوت اللي جاي من بره كان واضح.
بنت بتتكلم بهدوء: “ولاء… أنا مش جاية أؤذيك… أنا جاية أرجع حقي.”
عثمان اتجمد مكانه.
أنا اتحركت تلقائي ناحية الباب.
أمي صرخت: “لااا!”
لكن إيدي كانت سبقت صوتها.
لفيت المفتاح.
فتحت الباب نص فتحة…
واللي شُفته خلاني أرجع خطوة لورا من غير ما أحس.
البنت واقفة.
نفس شكلي.
نفس العيون.
بس في عينيها حاجة مختلفة… حاجة أعمق… كأنها عاشت حياة أنا ماعرفتهاش.
بصتلي وقالت بهدوء مخيف: “أنا سلمى… وبقالى 28 سنة عايشة حياة مش حياتي.”
عثمان من ورايا قال بصوت مبحوح: “مستحيل…”
سلمى دخلت خطوة جوه الشقة من غير ما تستأذن.
وبصت له: “أنت عارف الحقيقة… بس عمرك ما قدرت تقولها.”
أمي وقعت على الكرسي كأن رجليها اتسحبت منها.
أنا كنت واقفة بين الاتنين… بين نسخة مني… وبين حياتي اللي بتتهد.
وساعتها سلمى طلعت ورقة صغيرة من جيبها وقالت:
“اللي حصل يوم الولادة… ماكنش تبديل بس…”
سكتت لحظة طويلة…
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل اللي قبلها:
“ده كان اتفاق.”
وفي اللحظة دي… النور قطع فجأة.
والشقة دخلت في عتمة كاملة…
ماعدا ضوء شاشة موبايل واحد في إيد سلمى…
اللي فتح تسجيل صوتي قديم…
وصوت جاي منه كان صوت أمي.
بس مش أمي اللي قدامي.
صوتها وهي بتعيط وبتقول:
“خدوا واحدة… وسيبوا التانية تعيش… بس خلوا السر يمـ,ـوت معاهم.”
وساعتها بس فهمت…
إننا ماكنّاش ضحايا خـ,ـيانة…
إحنا كنا جزء من صفقة.
والباب ورايا اتقفل لوحده.صوت الباب وهو بيتقفل لوحده كان كفيل يخلي قلبي يقف ثانية كاملة.
العتمة في الشقة ماكنتش عتمة عادية… كانت عتمة كأنها بتخنق.
سلمى وقفت قدامي، ضوء الموبايل في إيدها بيرتعش على وشها… أو على وشّي.
“فاكرة إنك الضحية الوحيدة؟” قالتها بهدوء مرعب.
عثمان اتكلم لأول مرة بصوت مكسور: “كفاية… كفاية فتح في القديم.”
سلمى بصت له بسخرية: “القديم؟ ده لسه شغال لحد دلوقتي.”
مدت إيديها تاني، وفتحت ملف تاني على الموبايل.
صورة.
ممرضة.
نفس المستشفى.
ونفس التاريخ.
بس المرة دي… في ورقة مكتوبة بخط واضح جدًا:
“مولودتان… حالة خاصة… لا يتم تسجيل التبديل.”
اتجمدت.
“يعني إيه لا يتم تسجيل التبديل؟” همست.
سلمى ردت: “يعني اللي حصل ماكانش غلطة… ده كان متخطط ليه من البداية.”
أمي وقفت فجأة، صوتها طلع لأول مرة بعصبية: “كفااااية كذب!”
لكن سلمى رفعت عينيها لها وقالت بهدوء قـ,ـاتل: “كذب؟ طب اسألي نفسك… ليه عمرك ما شوفتي شهادة ميلادي أنا؟”
سكتت.
الهدوء ده كان أخطر من أي صريخ.
عثمان مسح وشه بإيده وقال: “أنا عملت ده عشان أحمي الكل…”
سلمى ضحكت ضحكة قصيرة: “تحمي؟ ولا تخبي جـ,ـريمة؟”
وفجأة… النور رجع.
لكن لما رجع، كان في حاجة غلط.
في صوت خطوات جوا الشقة.
مش خطوة واحدة… لا.
خطوتين.
تالتة.
كأن في حد تاني دخل… ووقف ورا عثمان مباشرة.
هو حس… واتجمد.
ببطء شديد، لفّ راسه.
ووشه اتسحب منه الدم.
أنا بصيت…
ولقيت راجل واقف.
بس الغريب… إني عارفاه.
مش معرفته بشكل واضح… لكن إحساس غريب جوايا بيقول إني شوفته قبل كده.
سلمى قالت بصوت منخفض: “أخيرًا… وصل.”
الراجل ابتسم وقال جملة واحدة:
“النسختين لازم يختاروا… مين فيهم هيفضل يعيش الحقيقة.”الراجل اللي دخل وقف لحظة… وكأن الزمن نفسه اتجمّد عند الجملة اللي قالها.
“النسختين لازم يختاروا… مين فيهم هيفضل يعيش الحقيقة.”
سلمى بصتلي، وأنا بصتلها.
لأول مرة، ماكنش في عداء في عينيها… كان فيه خوف زيّي بالظبط.
أمي وقعت على الكرسي وهمست: “كفاية… أنا تعبت…”
عثمان اتقدم خطوة، صوته اتكسر تمامًا: “مفيش اختيار… مفيش حد هيمـ,ـوت ولا يختفي… إحنا كلنا ضحايا نفس اللحظة الغلط.”
الراجل هز راسه بهدوء وقال: “مش لحظة غلط… دي لحظة اتقابل فيها ذنب قديم مع خوف أقدم منه.”
وسكت.
وبعدين مد إيده… وحط ملف على الترابيزة.
“الحقيقة كاملة هنا… بس الحقيقة مش لازم تدمّركم.”
سلمى بصتلي وقالت بهدوء: “أنا عمري ما كرهتك… أنا كنت عايزة أعرف بس ليه أنا اتسحبت من حياتي قبل ما أبدأها.”
قربت منها خطوة… لأول مرة بإرادتي مش بخوف.
وقلت: “وأنا كمان… عمري ما كنت عايشة حياتي فعلاً…
كنا الاتنين ناقصين حاجة من غير ما نعرف.”
الهدوء ساد.
حتى عثمان سكت.
أمي مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور: “أنا اللي كنت أضعف من الحقيقة… فخليت الكل يدفع التمن.”
الراجل اتراجع خطوة وقال: “في حل واحد بس… مش تبديل… تصحيح.”
فتح الملف.
وفيه ورقة مكتوب فيها:
“إقرار رسمي بإثبات النسب الحقيقي… وإعادة تسجيل كل طفل باسمه الصحيح.”
بصيت لسلمى.
هي بصتلي.
وسكتنا.
وبعدين… هي ابتسمت.
“مش عايزة آخد حياتك… أنا عايزة نبدأ حياتنا صح… كل واحدة بطريقتها.”
ومدت إيدها.
مسكت إيدي.
أول مرة أحس إني مش ضايعة.
عثمان طأطأ راسه وقال: “أنا غلطت… بس مش ههرب تاني.”
أمي قامت وقفت بينا وقالت: “البيت ده لازم يتبني من جديد… مش على كذب… على اعتراف.”
والراجل قفل الملف وقال: “كده الحقيقة بقت ملككم… مش سـ,ـلاح ضدكم.”
بعد شهور…
كان في فرح صغير.
مش فرح كبير… فرح حقيقي.
أنا وسلمى واقفين جنب بعض.
مش نسختين متنافسين… لكن حكايتين اتولدوا من نفس الألم.
وبدل ما حياتنا تتقسم…
اتقسم الخوف.
وبدأنا إحنا الاتنين… أول خطوة في حياة ماحدش سـ,ـرقها تاني.
والمرادي… لما بصيت في المراية…
شوفت نفسي لأول مرة… مش نسخة… ولا ظل… بس إنسانة بدأت من جديد.