منوعات

بعد تلات ايام من القيصرى بقلم منال علي

بـعد تـلات أيـام بـس مـن “القيـصري”، حمـاتي رمـتني من علـى الـكنبة بـ قـلم طـرقع فـي البـيت كـله، وهـمست في ودنـي زي الـتعبان: «إيـاكي تتـمسحي فـي الـواد.. ده مـش من دمـنا ولا ده وريـثنا».
والساعة 9 وست دقايق بليل، كان جوزي بيحدف شنطة هدومي في الطرقة وهو بيقولي ببرود: «لمي هدومك وروحي مـ,ـوتي في أي داهية تانية». بقلم منــال عــلي
لكن قبل نتيجة الـ DNA بـ 72 ساعة، مكالمة واحدة خلت ركبه تخبط في بعض وهو ماسك في حرف التربيزة.
حماتي ضـ,ـربتني في اللحظة اللي كنت بداري فيها ابني بين إيديا.

الصالة كانت ريحتها “بودرة أطفال” على لبن قاطع، وعلى البوتاجاز كانت شوربة الفراخ اللي لسه دافية بتطلع بخارها. ساعة الحيطة كانت بتكتك بصوت عالي كأنها بتعد دقات قلبي مش الدقايق. كعب رجلي كان حاسس بسقعة المشمع اللي مفروش في الأرض، واللمبة كانت زاعجة عيني اللي مهـ,ـدودة من السهر. بقلم منــال عــلي
جـ,ـرح العملية كان بيشد في بطني لدرجة إني اتسندت بكوعي على الأرض عشان ما أقعش. غويشة المستشفى لسه في إيدي، وبقعة اللبن مغرقة هدومي.. مكنتش بترعش من الخوف، كنت بترعش من الوجع والقلة.

أنا لسه خارجة من المستشفى إمبارح العصر، وبدل الورد والشوربة، لقيت نظرات عينيهم بتقسمنا لـ “حبيب” و “غريب”. بقلم منــال عــلي
— «كدابة.. إحنا بيتنا ما يدخلوش عيل غريب.»
قالتها، وبعدها القلم نزل على وشي. راسي

مالت لجنب، ودني صفرت، والواد صرخ صرخة قطعت قلبي. حماتي حتى ما مالتش تطمن عليه، فضلت واقفة بجلابيتها الشيفون الغالية، بتعدل في كمها وبتبص للطفل بقرف كأنه بقعة لازم تتمسح.
بصت لجوزي وقالتله: «بص عليه كويس.. ده مش دمنا.»
جوزي ما اتحركش.. ما شالنيش من الأرض.. ما خدش ابنه في حضـ,ـنه. فضل واقف عند الكومودينو، وبص لي بنظرة باردة وقال: «يمكن التحليل هو اللي يخلص الحوار ده.»
الجملة دي كانت أوجع من القلم.. “يمكن”؟ بعد سبع سنين جواز، وتجهيز شقة بالديون، ووقفتي جنبه في الورشة ومصاريفها؟

بقلم منــال عــلي
، وجبت السكاتة من تحت التربيزة وقلت بكلمة واحدة: «تمام.. اطلب المعمل يجي ياخد العينة فوراً.»
الساعة 10 و11 دقيقة بليل، وأنا قاعدة على طرف السرير، دفعت مبلغ وقدره لمعمل تحاليل خاص عشان “النتيجة المستعجلة”. حماتي شخرت بضيق وقالت: «الفلوس عندك زي الرز.. بس الذمة معدومة.»
تاني يوم الصبح بدأت المحكمة. في المطبخ كانوا بيخططوا للطلاق. في الطرقة كانت شنطتي محذوفة فيها غيارات البيبي مع هدومي المبهدلة. أخت جوزي سألتني وهي مش طايقة تبص لي: «عندك حتة تروحيها لو طلع مش ابننا؟»
حماتي دخلت أوضة الأطفال، شالت علبة الحفاضات وحطتها في رفها الخاص وقالت:

«إحنا مش هنصرف مليم على عيل غريب.»
على الحيطة كانت صورة “جدة” جوزي، شفتها مية مرة قبل كدة. صورة بيبي صغير في حضـ,ـنها، شعره فاتح وعنده “شامة” (حسنة) ورا ودنه الشمال زي ابني بالظبط. افتكرت الجدة وهي بتطبطب على بطني وأنا حامل وتقولي بصوت واطي: «لو طلع أبيض وشعره فاتح ما تخليش حد يهزك.. العرق ده فينا من زمان.» وقتها حماتي قفلت الألبوم وغيرت السيرة بسرعة. بقلم منــال عــلي
اللي محدش يعرفه في البيت ده، إني مكنتش قاعدة مستسلمة. أنا من شهر، وأنا بدور على ضمان الغسالة، صورت صورة الجدة دي..

وشفت إن في ورق ناقص من الدفتر الصحي القديم بتاع العيلة. صورت “الحسنة” اللي ورا ودن ابني، وبعت كل ده للدكتورة اللي كانت بتعالج عيلتهم زمان.
اليوم التالت، الساعة 7 الصبح، والشاي لسه على النار والواد نايم في السرير الصغير.. التليفون رن. مكنتش الرسالة بتاعة النتيجة، ده كان اتصال من دكتور المعمل نفسه. فتحت “الاسبيكر” وإيدي بتترعش وأنا بلف اللحاف على ابني.
الدكتور قال بصوت واضح: «يا مدام.. ما تفتحيش النتيجة إلا وفي شهود موجودين.. وقبل أي حاجة، اسألي حماتك:

الورقة اللي اقطعت من السجل الصحي سنة 94 عن “الصفات الوراثية المستترة” في العيلة راحت فين؟»
كوباية الشاي وقعت من إيد جوزي اتدشدشت. حماتي لفت وشها ليا، ولأول مرة لسانها يتربط وما تلاقيش كلمة واحدة تقولها. ​التليفون لسه بيتهز على التربيزة، والمطبخ سكت فجأة سكتة مريبة، لدرجة إني سمعت صوت نَفَس ابني وهو نايم. جوزي كان لسه متبت في حرف التربيزة، كأن الخشب ده هو اللي سانده من الانهيار. حماتي كانت واقفة عند الشباك، إيدها لسه بتعدل في كمها، بس حركتها بقت مرعوشة ومكسورة.

​أنا ما علّيتش صوتي.. بعد تلات أيام من الإهـ,ـانة، ما بقاش فيا حيل للصرخي ولا للدموع. قلت بكل هدوء: «الورقة اللي اقطعت من الدفتر الصحي سنة 94.. اقطعت ليه؟» بقلم منــال عــلي ​حماتي لفت وشها ليا بسرعة، للحظة افتكرت إنها هترد بقسوتها المعتادة، بس سكتت. والسكوت ده كان أوحش من القلم ومن كلامها السم عن الطلاق. جوزي بص لأمه وبعدين بص لي وقال: «ورقة إيه؟» ​طلعت تليفوني، وصوابعي كانت بتترعش بس مش من الوجع، كانت رعشة “النصر الحزين”. فتحت الصور.. ورّيته صورة الجدة اللي على الحيطة، وبعدها الدفتر المقطوع، ووصل استشارة دكتورة الوراثة.

​أخت جوزي قربت، وبصت في الشاشة بصدمة: «دي نفس الصورة.. ونفس “الحسنة” اللي ورا الودن.» ​التليفون رن.. رسالة المعمل وصلت. محدش نطق. سكتنا والوجع بيشد في جـ,ـرحي، ساندت إيدي على التربيزة وقلت لجوزي: «افتحها.. واقرأها قدام الكل، زي ما الدكتور قال.» ​جوزي مد إيده للتليفون ورجعها بخوف، فتحت أنا الشاشة وحدفتها له: «اقرأ بصوت عالي.» ​أول سطر كان كلام المعمل الناشف: «نسبة الأبوة البيولوجية 99.999%» أخت جوزي حطت إيدها على بوقها من الصدمة، وهو فضل يقرأ السطر مرة واتنين، كأن الأرقام هتتغير لو ركز فيها أكتر. حماتي قربت وقالت: «هات أشوف..» بس هو ما ادهالهاش.. زي

ما ما دافعش عني وأنا مرمية في الأرض، ما ادهالهاش المرة دي. ​نزل لبقية الكلام.. كان مكتوب إن “الشعر الفاتح والحسنة اللي ورا الودن” دي صفة وراثية مستترة بتظهر من ناحية “الأب”. ومكتوب تحتها ملحوظة من الدكتورة: «سنة 94 تم تسجيل حالة مشابهة في نفس العيلة، وتم التوصية بعدم التشكيك في نسب الطفل بناءً على شكله.» ​جوزي سكت.. شـ,ـفايفه بقيت بيضا. قلت له: «كمل.. اقرأ السطر الأخير.» قرأ بصوت مخنوق: «الحالة المسجلة سنة 94 كانت لطفل ذكر.. اللي هو أنت يا “أحمد”.»

​المطبخ سكت تماماً. جوزي طلع هو نفسه الطفل اللي شعره كان فاتح والكل شك فيه زمان. بص لأمه وقالها كلمة واحدة: «كنتي عارفة.» بقلم منــال عــلي حماتي انهارت على الكرسي، وقالت بصوت واطي لأول مرة: «عارفة.» ​مفرحتش.. حسيت بفضى. وجع كأن جسمي مش ملاحق على حـ,ـرقة قلبي. جوزي سألها بذهول: «كنتي عارفة إنه ابني؟»

رفعت عينيها ليه، مكنش فيها ندم، كان فيها خوف قديم وقالت: «لما ولدت أنت، جدتك بصت لي نفس البصة اللي بصيتها لمراتك إمبارح.. أبوك سكت، وأمه قالت إني جايبة عيل غريب. جرجرتني للمعمل وأنا لسه والداك، وأبوك فضل يعايرني بالشك ده سنين مع كل خناقة وكل شربة كاس.. والجدة قالت لي شيلي الورقة دي عشان تنقذ حد بعد كدة..» ​سألها جوزي بمرارة: «ولما هي ورقة منقذة.. قطعتيها ليه؟» ردت وهي بتعيط: «عشان مكنتش عايزة تفتكر إنك كنت في يوم محل شك.. ولما شفت ابنك، كل الوجع القديم رجع لي، فقررت أضـ,ـرب أنا الأول.»

​رديت عليها: «قررتي تضـ,ـربي الغلبانة اللي ملهاش ذنب.. قررتي تكسريني وأنا لسه في وجع ولادتي.» ​جوزي قرب مني وقال بصوت مهزوز: «يا مريم..» رجعت خطوة لورا. قفل الباب في وشه من غير كلام.بقلم منــال عــلي قال: «والله ما كنت أعرف.» رديت عليه: «ما كنتش تعرف الورقة، بس كنت تعرفني أنا.. 7 سنين جواز، وأكل وشرب وشقا وتعب في ورشتك، وفي الآخر تقولي “يمكن”؟» ​خدت شنطة ابني، وطلبت من أخته تديني شنطة الهدوم. جوزي وقف قدامي: «رايحة فين؟»

قلت له: «رايحة في المكان اللي ابني ما يتقالش عليه فيه “غريب”.» ​حاول يوقفني، وحماتي قالت: «أنا غلطانة.. خليكم.» بصيت لها وقلت: «انتي ضـ,ـربتيني وأنا بداري ابني بإيدي.. اللي يضـ,ـرب في الوجع ده ملوش مكان في حياتي تاني.» ​خرجت من البيت بشنطتي القديمة، الشنطة اللي كانت بتسهر معايا في الشغل عشان أبني له مستقبله. رحت بيت خالتني، عشان الست بعد القيصري محتاجة حنية مش محكمة. بقلم منــال عــلي بقلم منــال عــلي ​بعد أسبوع، جوزي جيه البيت، ساب كيس حفاضات وأدوية ونتائج التحاليل الورقية ومشي. مكنش بيطلب يدخل، كان بيحاول “يصلح” بس فات الأوان.

بعد أسبوعين، طلب يشوف ابنه. وافقت، بس في جنينة عامة، بعيد عن حيطان بيتهم اللي بتخنق. ​أول ما شال الواد، قعد يعيط من غير صوت.. بص للحسنة اللي ورا ودنه وقال: «ده أنا.. لما كنت صغير، ده كان أنا.» دي كانت عقوبته.. إنه يشوف نفسه في ابنه اللي كان عايز يرميه. ​سألني: «في فرصة نرجع؟» بصيت له وقلت له: «أنا بحب الراجل اللي كنت فاكرة إنه جوزي.. مش الراجل اللي سابني مرمية على الأرض وقال “يمكن”. اللي اتكسـ,ـر في اللحظة دي، مبيتصلحش بكلمة “آسف”.»

​رجعت بيتي، نيمت ابني في هدوء، وبصيت له وقلت: «يا حبيبي، إحنا ما خسرناش.. إحنا خرجنا من البيت ده بكرامتنا، وأنا هكون لك الأب والأم والضهر اللي ما بيخـ,ـونش.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى